محمد هادي معرفة
274
التمهيد في علوم القرآن
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ « 1 » . وقد أعلن أنّ الصلاة دون حضور القلب لا جدوى منها ، وأنّ كلمات اللّه التي وجّهها إلى الناس كافة لا إلى شعب بمفرده يجب أن تتمّ دراستها بالقلب والشفتين في انسجام تامّ ، وأن يصدّقه العمل الصالح في وئام . ومن ثمّ اعتبر طهارة الثوب والبدن - إلى جنب طهارة النفس بالوضوء والاغتسال - والتقرّب إلى رضوانه تعالى ، الأمر الذي يختلف تمام الاختلاف عن الصلوات في سائر الأديان . أمّا تشريع الصيام فقد وجد بأشكال اخر بين سائر الأمم . بيد أنه يمكن القول بأنه طوال التاريخ القديم ظلّت فكرة الصيام تقوم على أساس الندم ومعاقبة النفس ، لا على أساس الترفّع عن مهابط المادّة ، كما في الاسلام . نعم ، ظلّ الميل إلى قبول فكرة الصيام على أنها كبت لشهوات النفس متأخّرا ، وكانت طائفة من اليهود ( الاسينيّون ) - نتيجة لاتّصالهم بالفيثاغوريين ، وعن طريق هؤلاء اتّصلوا بزهد الشرق الأقصى ونسكه - استطاعت أن تدرك العنصر الأخلاقي في مبدأ الصيام . كما أنّ الفكرة السائدة في المسيحية فيما يتعلّق بالصيام فكرة عامّة تعود في أصلها إلى العقوبة والتكفير . وقد ظلّ التعذيب الجسدي التطوّعي يتكرّر في الكنيسة المسيحية كما هو في الكنائس الأخرى . ولكن ميل هذا الأذى كان يتّجه دائما نحو تحطيم الطاقات الجسدية والملكات العقلية من أجل تغذية الصوفية الحالمة والزهد الخانع الذليل « 2 » . أمّا تقرير فرض الصيام في الإسلام فهو على النقيض من ذلك . إنّ الهدف الأساسي من تشريعه هو كبح جماح الشهوات ، والترفّع لفترة معيّنة
--> ( 1 ) البقرة : 177 . ( 2 ) راجع روح الإسلام لسيد مير علي : ص 196 .